نخبة من الأكاديميين

742

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

علي ، اختيار الطب الأوروبي كالطب الوحيد في الدولة ، أدّى ، بشكلٍ ما ، على المستوى الرسمي والأكاديمي ، إلى نزع الشرعيّة عن الممارسات الطبيّة الشائعة التي بقيت في المجتمع وإن تبدّل شكلها « 1 » . في هذا السياق ، تمّ في مدرسة الطب ، تطبيق التدريس الذي تصوّره كلوت . فلقد قرّر هذا الطبيب : " أنّ المعرفة ، لكي تكون منتظمة في النظريّة وفي التطبيق ، يجب أن تُبنى على مبادئ التعليم الوظائفي " « 2 » ، متّخذاً كليّة الطب في باريس كنموذجٍ فيما يخص الموادّ العلميّة المدرَّسة ، وكذلك فيما يخص المراجع . وقد اقتضى التدريس بالعربيّة في كل المدارس ، حركة واسعة لترجمة الكتب والمراجع ، سنعود إلى الحديث عنها بالتفصيل لاحقاً . وذكر كلوت بيه ، في قائمة نشرها فيما بعد ، عناوين 54 كتاباً بلغت في المجموع 90 مجلّداً ، تُرجمت إلى العربيّة أو اقتُبست إلى العربيّة في تلك الفترة ، نزولًا عند طلبه . أغلب هذه المؤلَّفات كانت في الطب بالطبع ، ولكنّها حوت كتباً أخرى في الفيزياء أو الكيمياء ، مخصَّصة لقسم الصيدلة في المدرسة . أخيراً ، ولكي يؤمّن كلوت استمراريّة المدرسة ، أرسل إلى باريس ، في العام 1832 ، اثني عشر طالباً من خيرة طلّابه لإتمام دراستهم وللحصول على شهادة دكتور في الطب ، التحق معظمهم بعد عودته ، بالهيئة التعليميّة في المؤسَّسة ؛ ذلك لأنّ التعليم في مصر لم يكن يتعدّى تكوين ضبّاط صحّة ، غير مؤهّلين إجمالًا للتدريس في مدرسة الطبّ . تاريخ مدرسة المهندسين أكثر تعقيداً من تاريخ مدرسة الطب . تأسَّست المدرسة الأولى للهندسة في قلعة القاهرة عام 1815 ؛ وتبعتها مدارس أخرى في أماكن أخرى ، بقيت كلّها خاضعة للمؤسَّسة العسكريّة . وفي العام 1836 ، عندما ترأس شارل لامبرت مدرسة الهندسة التي كان قد أعيد تأسيسها حديثاً في بولاق ، بالقرب من القاهرة ، كانت هذه المؤسَّسة قد تخلّصت من وصاية الجيش . ومذ ذاك ، أصبحت هذه المدرسة الجديدة متعلّقة ب - " ديوان المدارس " ، وتأكّدت بوضوح أهدافها المدنيّة ، وهي بالدرجة الأولى تكوين مهندسين للعمل في مجالَي الصناعة والأشغال العامّة . وفي الحقيقة ، ما لبثت هذه المؤسّسة أن تخلّت تدريجيّاً عن هدف تكوين مهندسين للصناعة ، لأسباب متعدّدة . من هذه الأسباب ، الارتباط باتفاقات بالطا ليمان ( Balta Liman ) للعام 1838 التي توجّهت أساساً ضد الاحتكارات الصناعيّة المصريّة ؛ ومنها أيضاً إلغاء الحواجز الجمركيّة الذي فرضه البريطانيّون ؛ وهذان العاملان كانا من العوامل التي جعلت المرحلة الأولى من تصنيع البلد تبدأ بلفظ أنفاسها . لذا بقي مجالُ العمل الرئيسي لحاملي شهادات مدرسة بولاق طوال ذلك القرن ، حقلَ الأشغال العامّة ، وعلى وجه الخصوص مصلحة الري وما تتطلّبه من أشغال مائيّة هامّة . ومن أجل إقامة تعليم يستطيع تحقيق هذه الأهداف ، اختار لامبرت أن يتّخذ ، كنموذج ، المدرسة المركزيّة للفنون والمعامل * « 3 » ، التي كانت قد أنشئت في باريس العام 1829 ، أي منذ

--> ( 1 ) - راجع غران ، Gran , " Medical pluralism " , pp . 345 - 346 . ( 2 ) - راجع كلوت ، Clot , Memoires , p . 325 . ( 3 ) * هي إحدى مدارس الهندسة العليا الشهيرة في باريس : " L'Ecole Centrale des Arts et des Manifactures " والتي لا تزال تعمل وتحافظ على مكانتها إلى يومنا ( المترجِم ) .